الانقطاع المبكر عن الدراسة باب نحو الاستغلال الاقتصادي

حسام شقرون , رئيس جمعية براءة لحماية الطفولة المهددة
يعتبر الانقطاع المبكر عن الدراسة في تونس من أكبر المعضلات التي لها انعكاسات اجتماعية وخيمة و رغم ذلك لم نلتمس الى حدود اليوم حلولا جذرية من شأنها أن تحد من هذه الظاهرة , حيث بلغ عدد الأطفال المنقطعين عن الدراسة في الخمس سنوات الأخيرة (2015-2020) حوالي 500 ألف طفل , فيستكمل 48.7% فقط من التلاميذ المرحلة الثانية من التعليم الثانوي , 29.6 % منهم في المناطق الريفية مقابل 57 % في المناطق الحضرية.
لذلك من المنطقي بل من الواجب طرح سؤال أين يذهب هؤلاء الأطفال بمجرد انقطاعهم عن المسار الدراسي ؟
ان الاجابة عن هذا السؤال لا تتطلب ذكاء خارقا و لا تطرح فرضيات متنوعة و واسعة فمصير الاطفال المنقطعين عن الدراسة في تونس ,اما الاستغلال الاقتصادي و العمل الهش الذي سيكون له اثار صحية و نفسية سلبية حيث يقدر عدد الأطفال المنخرطين في سوق الشغل حسب المصادر الحكومية ب179.900 طفل أو العمل الخطر الذي قد يسبب للأطفال حوادث حياة أو اعاقات يكون لها تبعات نفسية و اجتماعية حادة حيث تشير الأرقام في تونس الى وجود قرابة 136.500 طفل يشاركون في الأعمال المصنفة بالخطرة .
لكن يبقى الجزء الأخطر حسب رأينا هو تسكع الأطفال و بقائهم في الشارع , و هو الأمر الذي من شأنه أن ينمي الظواهر الاجتماعية السلبية , حيث يكون الشارع فرصة لاستغلال الاطفال في الجريمة المنظمة كبيع المخدرات و السرقة و غيرها من الجرائم و السلوكيات المحفوفة بالمخاطر .
لكن قبل الحديث عن النتائج يجب الوقوف على اسباب الانقطاع عن الدراسة و الحلول المستعجلة منها و التي يمكن حصرها في 6 نقاط أساسية :
1- العوامل الاجتماعية و الاقتصادية :
حيث تعاني العديد من العائلات التونسية الفقر المدقع و انعدام الامكانيات حتى ان مفهوم الفقر امتد و أصبحنا نتحدث حول مفهوم جديد وهو فقر الأطفال , حيث ينقطع العديد من الأطفال عن الدراسة خاصة في مرحة المراهقة حيث يستكمل أطفال العائلات الفقيرة المرحلة الثانوية بنسبة 24.2 % في المقابل نجد نسبة 79.8 % من أطفال العائلات الميسورة الدخل يكملون مرحلة التعليم الثانوي .
و يجبر الأطفال في تونس عن الانقطاع بسبب التحرج من الوضع الاجتماعي و انعدام القدرة حتى على تلبية أساسيات الدراسة أو لأسباب عائلية كالضغط على الطفل من أجل العمل و المساهمة في اعالة بقية افراد العائلة أو لتعثر في مسيرة التعلم و عدم توفر فرصة للدعم الدراسي و التأطير .
وفي هذا السياق يجب مراجعة منظومة التدخل الاجتماعي في تونس و اسناد منحة شهرية لأطفال العائلات المحدودة الدخل .
2- يعود السبب الثاني الى المنظومة التعليمية في تونس التي تتطلب مراجعة عميقة من ناحية الزمن المدرسي البرامج و آليات تقييم الطفل , فلا يجب أن نشك للحظة أن جميع الاطفال متميزون و مختلفون في نفس الوقت , و من الظلم في هذا العصر أن تقوم المدرسة بالمقارنة بين جميع الاطفال عبر تقييمهم على أساس واحد فالمدرسة يجب أن تطوع نفسها و برامجها لاحتواء التلميذ حتى يكون مشروع مواطن فاعل في المجتمع قادرا على تقديم الاضافة من الزاوية التي يرى فيها نفسه . ان المدرسة اليوم بمثابة السجن بالنسبة للطفل , فهي تعتريها عديد النقائص كالنوادي و الأنشطة و حتى المرافق الأساسية و الصحية خاصة في المناطق الداخلية مقابل ضغط كمي في البرامج و افتقار في الجودة فقد أشارت الاحصائيات الى أن 72 % من الأطفال البالغين من العمر بين 07 و 14 عشر سنة ليس لديهم المهارات الأساسية في الحساب و 34% ليس لديهم المهارات الأساسية في القراءة .
3- منظومة قانونية بالية تغذي ظاهرة الاستغلال الاقتصادي :
من الغريب بل من غير المقبول أن مجلة الشغل التونسية هي التي تشرع لتشغيل الأطفال بداية من سن 13 عشر سنة وفق شروط معينة ( الفصل 55 من مجلة الشغل ) و يرتفع السن الى 15 سنة و 16 سنة باختلاف القطاعات . هذا بالإضافة الى انتشار ظاهرة تشغيل الفتيات القاصرات كمعينات منزليات حتى انه تم اكتشاف سوق ” سمسرة ” و اتجار بإحدى ولايات الشمال الغربي , رغم تجريم القانون التونسي لتشغيل الفتيات دون سن 16 سنة و يفرض عقوبة سجنيه على المؤجر تصل الى سنتين سجن فان الردع في هذه المسألة يعتبر ضعيفا الى درجة أن الوعي المجتمعي تعود على هذه الممارسات و استسهلها و هذا في رأينا أخطر بكثير .
ان تشغيل الاطفال دون سن 18 عشر سنة في اي ظروف كانت و حتى بنص القانون يعتبر غير دستوري حيث نص الفصل 39 من الدستور أن التعليم اجباري الى حدود سن السادسة عشر ” هذا اضافة الى عديد الفصول الدستورية الأخرى التي تتحدث عن الحق في الثقافة و الرياضة و الكرامة البشرية … زد على ذلك الفصل 47 الذي يلزم الدولة بتوفير لجميع انواع الحماية للأطفال وفق المصالح الفضلى للطفل , فهل تقتضي المصلحة الفضلى للطفل أن ينخرط في سوق الشغل ؟
لقد أصبحت اعادة النظر في بعض أحكام مجلة الشغل الغير دستورية أمرا ملحا وجب طرحه من قبل أعضاء مجلس نواب الشعب في أقرب الاجال .
4- اعادة تثمين منظومة التكوين المهني في تونس :
حيث تعيش تونس اليوم الى جانب أزمة البطالة أزمة اخرى أعمق و هي النقص في اليد العاملة ذات الكفاءة العالية و الموجهة نحو سوق الشغل لذلك وجب توجيه التكوين نحو متطلبات سوق الشغل بالإضافة الى العمل على رد الاعتبار المعنوي لمنظومة التكوين المهني حيث يتم و للأسف وصم التلاميذ المرسمين بالمؤسسات التكوينية بكونهم أقل ذكاء و كأن مسار التكوين المهني أقل درجة من مسار التعليم .
لذلك يجب على الدولة و خاصة وزارة التكوين المهني و التشغيل أن تراجع سياستها في ما يتعلق بالترويج للشعب المهنية و احداث شعب جديدة مواكبة لمتطلبات سوق الشغل الحديثة , كما يجب اعادة النظر في التوزيع الجغرافي لعدد المؤسسات التكوينية و السعي الى تعميمها على كافة الولايات و المعتمديات خاصة التي تشهد نسب انقطاع عالية .
5-ضعف الرقابة الشغلية و المحاسبة :
من تناقضات الأمور هو أن ظواهر الاستغلال الاقتصادي للأطفال يمكن معاينتها كل يوم , فهي لا تتم خلسة و في أماكن تتوارى عن الأنظار , بل هي مظاهر مؤلمة نشاهدها كل يوم على الطريق و في المقهى و في الورشات أعمال هشة و خطرة و غياب حتى لعقود التدريب التي تنص عليها المؤسسات التكوينية و في المقابل لا نجد تدخلا امنيا و لا اداريا .
على تفقديات الشغل الجهوية احداث لجان خاصة بتلقي الاشعارات و الرقابة الميدانية لرصد الانتهاكات و الخروقات التي يكون الطفل ضحيتها .
6-قصور خطة مندوب حماية الطفولة :
ان خطة مندوب حماية الطفولة هي خط الدفاع الأول عن الطفل و مصلحته الفضلى لكن للأسف تعاني هذه الخطة من تهميش قانوني و لوجستي , حيث يتعهد مندوبي حماية الطفولة فقط عن طريق الاشعار و لا يخول لهم لا القانون و لا الامكانيات المادية عملية التنقل و القيام بحملات رقابية على المستغلين للطفولة .
لذلك يجب رد الاعتبار لهذه الخطة على غرار جل الدول المتقدمة و ايلاءها الصلاحيات القانونية اللازمة للتدخل الاجتماعي لفائدة الطفولة .
ان الحد من الانقطاع عن الدراسة و الاستغلال الاقتصادي لا يمكن أن يتم الا بتوفر عنصرين أساسين و هما توفر الارادة السياسية في اعادة مراجعة المنظومة التشريعية الحالية خاصة بعض أحكام مجلة الشغل و ثانيا هو تظافر جميع الجهود و مزيد التنسيق بين المؤسسات العمومية عبر تكثيف الرقابة القانونية و ردع المخالفين .