الصّداقة تُستحَقّ وليست حقّ…

من المعلوم أن اكتساب أصدقاء في سويسرا أمر صعب. حتّى أن هناك تقاريرا وفيديوهات “تعليمية” (دون مبالغة) أعدّتها وسائل إعلام جادّة هنا كي تشرح للمهاجرين.ات والأجانب كيفية اكتساب أصدقاء.ات سويسريين.ات.
بالنسبة لي كتونسية وعربية يبدو الأمر ضربا من الخيال. أنا القادمة من بلد يمكن فيه أن ينزل المسافر الأجنبي من الطائرة فيجد نفسه مدعوّا على الغداء لدى عائلة تونسية لم يعرفها يوما.
لا تحلم بذلك في سويسرا. فهنا يجب أن “تستحقّ” دخول بيت السويسري.ة أي أن تثبت جدارتك بذلك. وهذا يتطلّب وقتا وجهدا.
الصداقة السويسرية ككلّ صناعة سويسرية ذات جودة، يلزمها صبر ووقت وجهد. وهي كما الناس هنا، هادئة دون دراما، متمهّلة غير متعجّلة.
يعتقد الكثيرون أن صعوبة اكتساب الأصدقاء في سويسرا يعني أن السويسريين معادون للأجانب أو عنصريون. وهذا مجانب للصّواب. فالسويسري لا يصبح صديقا لسويسري آخر بين عشية وضحاها، كما يحدث عندنا.
الصداقة هنا مسار يُبنى طيلة سنوات. الصديق هو الشخص الذي تعرفه منذ سنوات الطفولة، ربما درستما ما في المدرسة، أو كنتما تسكنان الحيّ نفسه، أو جمعتكما أنشطة ما.
الصديق هنا هو شخص استحقّ البقاء ضمن دائرتك بفضل استحقاقه لذلك على امتداد عقد أو أكثر.
قد يعمل سويسريان معا في المكتب نفسه لعدّة سنوات ويظلاّن دائما زميلين فقط.
قد يعيش سويسريان في الحيّ نفسه لسنوات عدّة ويظلاّن دائما جارين فقط.
“صباح الخير يا جاري، أنت في دارك وأنا في داري.” مثل شعبي تونسي لكنّه ينطبق على الحالة السويسرية تماما.
قد يبدو هذا الأمر مزعجا في البداية. لكن بتمعّني فيه وجدت أن السويسريين أكثر منّا حكمة في ذلك.
كم من بيننا اتّخذ صديقا أو صديقة ورافقه سنوات ثمّ وجده يطعنه في ظهره دون سبب أو حتى سابق إنذار؟
كم من بيننا اتّخذت صديقة وكاشفتها سرّها فوجدته منشورا على حبل غسيل الجلسات النسائية والذكورية في الحيّ وضواحيه؟
كم من بيننا صادق شخصا جديدا ودخل بيته، وشاركه الماء والملح، ثمّ دون سبب أيضا، وجد مُضيفه يهينه أو يظهر له العداء؟
كم من بيننا ظلّ محافظا على علاقات صداقة سامّة فقط ليقال عنه اجتماعي؟
كم من بيننا ظلّ محافظا على علاقات قرابة سامّة حتى يقال عنه “يصل رحمه”؟
السويسريون لا يأبهون بعدد علاقات الصداقة أو القرابة. لا يشعرون أنهم في سباق مع أحد من أجل نيل لقب “أكثر الشعوب اجتماعية”.
السويسريون لا يحبّون الدراما، لذلك لا يتسرّعون في اتّخاذ صديق قبل التأكد من أنه جدير بذلك. ولأنهم لا يحبّون الدراما، فلن يظلّوا متمسّكين بعلاقة سامّة صداقة كانت أم قرابة.
التخلّي بهدوء بدل البقاء مع النفاق.
الانسحاب بصمت بدل المواجهات الصّاخبة.
طبخ العلاقات على نار هادئة بدل القفز إلى أوّل صديق “فاست فوود”.
“It is better to be alone than in a bad company”
لم يقل السويسريون هذه الحكمة لكّنهم يعيشون وفقها لأجيال متعاقبة.
إنّهم بتحفظهم وحذرهم الشديد يحمون أنفسهم ويحفظون صحّتهم النفسية من الاهتزازات والصدمات التي تخلّفها الصداقات السريعة غير المُستحقّة.
السويسري متمسّك بالتقاليد، لا يحبّذ التغيير كثيرا. لذلك ربّما ليس في نفسه هوى للعابرين والعابرات.
يقول المثل السويسري: من الصّعب أن يدخل شخص جديد تحت جِلدي، ولكن إن فعل، فهو سيبقى هناك دائما.
حظّا سعيدا في عمل صداقات تُستحقّ… وتدوم.