مدينة مدنين على وقع عيد الفطر بين الأمس واليوم

لقد دأب سكان مدينة مدنين على تقاسم الفرحة والسعادة كما كان أسلافهم يتقاسمون الكلأ والماء ترى في عيونهم أمارات التآزر والتآخي والوحدة فلا يتركون مرضا يختلي بفريسته ولا جوعا يفتك بصاحبه لقد تقاسموا منذ البدء الأرض والمجد والتاريخ رغم اختلاف أصولهم وجذورهم …
هذه القيم بحسب عبد العزيز لغزال رجل الثقافة ومربي متقاعد للإعلامي ميمون التونسي ظلت تلازمهم إلى يوم الناس هذا بل ويزداد تآزرهم في الشهر الكريم كما يحلو لهم تسميته فتجمع الأموال بشتى الطرق سرا وعلانية لتوزع على مستحقيها حتى يشاركوا سكان المدينة فرحتهم بالعيد في أجواء خاشعة ومفعمة بالإيمان سيما في صلاة التراويح أو كما يسميها القدامى ” صلاة الأشفاع ” انطلقت هذه الصلاة منذ القرن السابع عشر بمسجد سيدي علي بن عبيد الولي الصالح الذي استطاع ان يجمّع حوله قبائل ورغمة فكان ” الحضن الدافىء لهم على حد تعبير المرحوم محمد العيادي العوني رجل الثقافة .
…اما الآن وبحسب محدثنا فإنك تستمع إلى القرآن الكريم وهو يرتل في كل حي تقريبا بحي الكساكسة وحي الحمايدة وحي الواد الغرباوي وطريق قابس وطريق بني خداش وطريق بنقردان وفي قرار الحلام … كل ذلك بفضل تآزر سكان مدنين من مدنينية وتوازين وحرازة وتمارة وقوابسية وغمراسن ودغاغرة وكمالية وجليدات وغبنتن والمعذرة ان نسيت قبيلة …
لقد استطاع سكان هذه المدينة أن يوفقوا قديما وحديثا بين العبادات والسهرات اللّيلية الثقافية منها والترفيهية …سهرات كانت تتم قديما مراوحة بين لعب الورق على الحصر ( رونده وشكبة )وحتى تكون اللعبة حماسية فعادة ما يكون الرهان علبة شامية أو علبة راحة حلقوم يجتمع القوم في مقهى الصويعي و مقهى بقة ومقهى غربوز ومقهى الصادق كسيكسي ومقهى الفافي …وأما من لا يعشق ذلك فيتجه إلى قاعة سينما رمادة لمشاهدة فيلم (كان هذا من 1959 الى 1973 ) وأما خلال الثمانينات فتغيرت الوجهة بعد غلق قاعة السينما إلى الملعب البلدي لحضور إحدى السهرات ( حفل السيد مكاوي او حفل الهادي حبوبة او حفل مارسيل خليفة أو احدي مسرحيات محمد ادريس والفاضل الجزيري ولمين النهدي وعبد القادر مقداد والقائمة تطول …بفضل هذا المهرجان صار النسوة يشاركن الرجال السهر خارج البيت …
ومع اقتراب العيد يغلق شارع منصور الهوش الشريان الرئيسي للمدينة ليتحول إلى فضاء خاص تباع فيه كل مستلزمات العيد من حلو عربي ولعب للأطفال فتختلط فيه الموسيقى بأصوات الباعة وأهازيجهم وبرائح البخور المنبعثة من المجامر مع روائح الأكلات الخفيفة في الليل …يؤم هذا الشارع سكان المدينة وأحوازها وعلامات الفرح بادية على وجوههم فلِمَ لا يفرحون وقد أتموا على أحسن وجه إحدى أهم شعائر الإسلام ولم ينسوا الفقراء والمحتاجين …أما ليلة القدر ففيها يختم القرآن في المساجد بالتضرع والدعاء وتتزاور العائلات المتصاهرة حديثا لتحمل للعروس ما نسميه ” الموسم ” وهو هدية تقتصر في أغلبها على لبسة كاملة والحناء واللحم والحلويات كل حسب امكانياته المادية …
أما اليوم فلم يختلف الأمر كثيرا لقد حافظ شارع منصور الهوش على طابعه التقليدي لكن اغلب الشباب قد بات يفضل السهر في المقاهي المختلفة (بعد ان اندثر لعب الورق على الحصر والتجوال في بقية الشوارع الرئيسية وزيارة المغازات العصرية للألبسة والأحذية ومنهم من يجوب الانهج والشوارع لمآرب أخرى ..
هذه صورة عن مدينة مدنين على وقع العيد بين الأمس واليوم ..وكل عام وانتم بخير …